محمد أبو زهرة

1153

زهرة التفاسير

تجارهم في هذه اللجاجة ، واطلب تصفية قلوبهم من الغرض والهوى ، وابدأ بنفسك فبين سلامة مقصدك ونيتك : فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ . والوجه المراد به الذات ؛ لأنه هو الذي تكون به المواجهة ، وهو مجمع محاسن الجسم ؛ فالتعبير به عن الجسم تعبير بجزء له شأن خاص وتتم به إرادة الكل . ومعنى أسلمت وجهي : أخلصت وسلمت نفسي وتفكيري للّه سبحانه وتعالى ، فلا أفكر إلا في اللّه ، ولا أطلب الأمر إلا للّه ، ولا أقصد في طلبي إلا وجه اللّه . ومعنى قوله : وَمَنِ اتَّبَعَنِ أي قد أسلم الذين اتبعوني وارتضوا الإسلام دينا ؛ فقد أخلصوا في طلب الحق وأسلموا وجوههم للّه تعالى . وإن إسلام الوجه للّه تعالى وحده فيه إشارة إلى التوحيد ، وأن محمدا وأتباعه لا يعبدون إلا اللّه ، وفوق ذلك لا يطلبون أي أمر من الأمور إلا لوجه اللّه تعالى ؛ وتكون هذه الجملة السامية كقوله تعالى : يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ( 64 ) [ آل عمران ] . وإذا كان النبي صلى اللّه عليه وسلم وأتباعه قد أخلصوا لله ذلك الإخلاص في العبادة فإن الأساس الذي تبنى عليه المجادلة بالتي هي أحسن ، أن يطلب منهم النبي صلى اللّه عليه وسلم أن يكونوا على مثل تلك الحال من الإخلاص في طلب الحقيقة ؛ ولذا أمر اللّه نبيه بأن يطلب إليهم ذلك ، فقال سبحانه : وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَ أَسْلَمْتُمْ . أهل الكتاب : هم اليهود والنصارى ؛ لأن أسلافهم قد أوتوا الكتاب أي أعطوه كاملا وأخذوه كاملا ، وإن كانوا مع ذلك قد نسوا حظا ممّا ذكّروا به . والأميون هم المشركون ، وجاء التعبير عن المشركين بالأمّيين ؛ لأنهم أولا تغلب فيهم الأمية ؛ إذ قليل منهم من يقرأ ويكتب ، وليست لهم علوم ؛ ولذا كان يقول العرب عن أنفسهم ؛ نحن أمة أمية ، ولأنهم لم يعرف لهم كتاب يرجعون إليه في أحكام دينهم . وفوق ذلك هذا التعبير فيه توبيخ لليهود والنصارى ؛ إذ إنهم بعدم تسليمهم للحق وإذعانهم له تساووا مع أولئك الذين كان يسميهم اليهود